فخر الدين الرازي

232

تفسير الرازي

في قوله : * ( أن لا تشركوا ) * مفسرة بمعنى : أي ، وتقدير الآية : أتل ما حرم ربكم عليكم ، أي لا تشركوا ، أي ذلك التحريم هو قوله : * ( لا تشركوا به شيئاً ) * . فإن قيل : فقوله : * ( وبالوالدين إحساناً ) * معطوف على قوله : * ( أن لا تشركوا به شيئاً ) * فوجب أن يكون قوله : * ( وبالوالدين إحساناً ) * مفسراً لقوله : * ( أتل ما حرم ربكم عليكم ) * فيلزم أن يكون الإحسان بالوالدين حراماً ، وهو باطل . قلنا : لما أوجب الإحسان إليهما ، فقد حرم الإساءة إليهما . المسألة الثانية : أنه تعالى أوجب في هذه الآية أمور خمسة : أولها : قوله : * ( أن لا تشركوا به شيئاً ) * . واعلم أنه تعالى قد شرح فرق المشركين في هذه السورة على أحسن الوجوه ، وذلك لأن طائفة من المشركين يجعلون الأصنام شركاء لله تعالى ، وإليهم الإشارة بقوله حكاية عن إبراهيم * ( وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناماً آلهة إني أراك وقومك في ضلال مبين ) * ( الأنعام : 74 ) . والطائفة الثانية : من المشركين عبدة الكواكب ، وهم الذين حكى الله عنهم ، أن إبراهيم عليه السلام أبطل قولهم بقوله : * ( لا أحب الآفلين ) * ( الأنعام : 76 ) . والطائفة الثالثة : الذين حكى الله تعالى عنهم : * ( أنهم جعلوا لله شركاء الجن ) * وهم القائلون بيزدان وأهرمن . والطائفة الرابعة : الذين جعلوا لله بنين وبنات ، وأقام الدلائل على فساد أقوال هؤلاء الطوائف والفرق ، فلما بين بالدليل فساد قول هؤلاء الطوائف . قال ههنا : * ( ألا تشركوا به شيئاً ) * . النوع الثاني : من الأشياء التي أوجبها ههنا قوله : * ( وبالوالدين إحساناً ) * وإنما ثنى بهذا التكليف ، لأن أعظم أنواع النعم على الإنسان نعمة الله تعالى ، ويتلوها نعمة الوالدين ، لأن المؤثر الحقيقي في وجود الإنسان هو الله سبحانه وفي الظاهر هو الأبوان ، ثم نعمهما على الإنسان عظيمة وهي نعمة التربية والشفقة والحفظ عن الضياع والهلاك في وقت الصغر . النوع الثالث : قوله : * ( ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ) * فأوجب بعد رعاية حقوق الأبوين رعاية حقوق الأولاد وقوله : * ( ولا تقتلوا أولادكم من إملاق ) * أي من خوف الفقر وقد صرح بذكر الخوف في قوله : * ( ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق ) * والمراد منه النهي عن الوأد ، إذ كانوا يدفنون البنات أحياء ، بعضهم للغيرة ، وبعضهم خوف الفقر ، وهو السبب الغالب ، فبين تعالى فساد هذه العلة بقوله : * ( نحن نرزقكم وإياهم ) * ، لأنه تعالى إذا كان متكفلاً برزق الوالد والولد ، فكما وجب على الوالدين تبقية النفس والاتكال في رزقها على الله ، فكذلك القول في حال الولد ، قال شمر : أملق ، لازم ومتعد . يقال : أملق الرجل ، فهو مملق ، إذا افتقر ، فهذا لازم ، وأملق